جناحا الروح: يقظة الضمير الحقيقي بين حرية الأنا الزائفة ومسؤوليتها الزائفة
توازن الحرية والمسؤولية: من نمطَي دوغان جوجيلوغلو البشريَّين غير السليمين إلى أوسبنسكي وموريس نيكول وإرغون أري
يرفع عالِم النفس الراحل والمحبوب دوغان جوجيلوغلو، في منشورٍ عميق شاركه ذات يوم على وسائل التواصل الاجتماعي، مرآةً بديعة أمام واحدة من أعمق معضلات الطبيعة البشرية. إنّ توازن الحرية والمسؤولية — أقدم امتحان تواجهه الروح — يقف في صميم هذه المعضلة.
قبل أن نشرع في تحليلنا الروحي، لا بدّ من تلخيص ملاحظة جوجيلوغلو اللافتة لتهيئة السياق. فهو يشير إلى أنّ فكرتَي «المسؤولية» و«الحرية» في حياة الإنسان تتشبّثان ببعضهما برباط لا ينفصم، وأنّه حين يُفقَد هذا التوازن يظهر نمطان بشريان غير سليمين:
الإنسان «المزعوم أنّه حرّ» الذي لم يتطوّر لديه حسّ المسؤولية قط: إنسان يفرض رغباته، ويخلط بين الحرية والعيش بلا محاسبة، ولا يراعي في المرور وفي الزواج وفي المجتمع سوى مصلحته الخاصة — شخصية أنانية متسلّطة تدوس حقوق الآخرين.
الإنسان «المزعوم أنّه مسؤول» الذي لم يتطوّر لديه حسّ الحرية قط: إنسان يتوهّم أنّه أُرسل إلى الدنيا لإرضاء الجميع، ويفتقر إلى الشجاعة للمطالبة بسعادته الخاصة، ويحاول نيل رضا الزوج والعائلة والمحيط بنفسية «الخادم المهضوم»، ولا يقدر على رسم حدّ حتى حين تُجرح كرامته — شخصية الضحية.
إنّ ما يصفه جوجيلوغلو بهذه الدقّة النفسية والاجتماعية هو في الحقيقة أوضح انعكاس يوميّ للحقائق الكونية التي حاولت التعاليم الباطنية والروحية الحديثة أن تنقلها إلى الإنسان المستيقِظ منذ آلاف السنين. فأصعب امتحان في مدرسة الأرض هو أن يوازن المرء بين الأضداد في داخله فيجد الطريق الوسط — الحقيقة. وحين ينكسر ذلك التوازن، فإنّ ما يواجهنا دائمًا هو حرّيات زائفة ومسؤوليات زائفة.
فلنحلّل الآن هذين النموذجين البشريين المتضادّين تحليلًا عميقًا، ضمن إطار مبادئنا الوجودية وقوانيننا الكونية.
النمط البشري الأول الذي يصفه جوجيلوغلو هو الإنسان المتسلّط الذي يريد أن يفعل ما يحلو له دون أن يحاسبه أحد، والذي يتجاهل كلّ القواعد ويخلط بين هذا وبين «الحرية». من الخارج لا يعترف بأيّ قاعدة أو حدّ، ولأنّه يفعل ما يشاء فإنّه يتوهّم نفسه حرًّا تمامًا. لكنّه من المنظور الروحي واحد من أكثر الكائنات أسرًا وعبوديةً في الكون.
وكما يؤكّد أوسبنسكي بصورة لافتة في كتابه The Psychology of Man’s Possible Evolution (علم نفس تطوّر الإنسان الممكن)، فإنّ الإنسان العادي في حالة النوم لا يستطيع في الواقع أن يتحرّك من تلقاء نفسه؛ بل هو آلة معقّدة تُحرّكها المؤثّرات الخارجية بالكامل. ففيما يظنّ هذا الإنسان المتسلّط أنّه يختار أفعاله بإرادته الحرّة، هو في الحقيقة كدمية تُحرّكها الخيوط الخفية للتجارب الماضية والمنبّهات الخارجية والانفعال اللحظي. إنّ شتمه الغاضب حين ينظر إليه أحدهم نظرة خاطئة في المرور، أو خيانته الأنانية لزوجه، ليس اختيارًا حرًّا بل ردّ فعل آليّ ميكانيكيّ تمامًا ينطلق في اللحظة التي تُضغط فيها أزراره البدائية.
الحرية الحقيقية لا تعني فعل كلّ ما يخطر على البال؛ بل على العكس، تلك الحالة هي سجن الكائن داخل دوافعه البدائية — داخل أناه الغليظة. وكما يعالج الدكتور بدري روحسلمان بعناية بالغة في Mukadderat ve İcabat (المقدّرات ومقتضياتها)، فبما أنّ البشر يحدّدون مصيرهم بأفعالهم وأعمالهم، فإنّ كلّ إنسان مسؤول حتمًا عن جميع أفعاله وسلوكياته. الحرية الحقيقية لا تخصّ الأنا بل الضمير. والإنسان الأناني الذي يظنّ أنّه يعيش بلا محاسبة إنّما يخدم في الحقيقة رغباته الغليظة فحسب، وبموجب قوانين السببية الكونية يُساق عاجلًا أم آجلًا نحو حصادٍ مرّ لكلّ بذرة أنانية زرعها في داخله.
على سبيل المثال: تخيّل سائقًا يملك سيارة رياضية بالغة القوّة (الحرية) لكنّه لا يعرف شيئًا عن قواعد المرور أو آداب القيادة (المسؤولية). يظنّ أنّ التسلّل عبر الطريق السريع بسرعة مئتي كيلومتر في الساعة هو «الحرية». غير أنّ أدنى عطلٍ ميكانيكيّ، أو هذا الاستهتار الغليظ بحقوق الآخرين، سيجرّه سريعًا إلى حادث مروّع. الحرية الحقيقية هي القدرة على إيصال تلك المركبة القوية بأمان إلى وجهتها بحسّ مسؤولية لا تشوبه شائبة — أي بالضمير — يحفظ في الوقت نفسه حقوق الجميع.
المسؤولية المجرّدة من الحرية: «الشخصية الزائفة» و«الضمير المكتسب»
النمط البشري الثاني الذي يشير إليه جوجيلوغلو هو «الخادم المهضوم» المفرط في الوداعة، الذي يتصرّف وكأنّه جاء إلى الدنيا لإرضاء الجميع، ولا يقدر على رسم حدّ حتى حين تُجرح كرامته، ولا يمنح نفسه حقّ المطالبة بسعادته. ومن الخارج، كثيرًا ما يمجّد المجتمع هذا الإنسان الذي يهمل ذاته فيقول عنه «ما أنكره لذاته، ما أشبهه بالملاك، ما أعظم مسؤوليته». لكنّ الحكمة الباطنية تُشخّص هذه الحالة لا بوصفها فضيلة روحية بل بوصفها حالة «نوم داخلي» وزيفٍ بالغة الخطورة.
في مؤلَّفه الضخم Psychological Commentaries on the Teaching of Gurdjieff and Ouspensky (شروح نفسية على تعاليم غورجييف وأوسبنسكي)، يفحص موريس نيكول هذه الحالة غير السليمة بعناية بالغة عبر مفهومَي «الضمير المكتسب» (الضمير الزائف) و«الشخصية الزائفة». فالضمير المكتسب، بحسب روايته، برنامج مصطنع حُمِّل في الإنسان من الخارج عبر العائلة والبيئة والتقاليد والمخاوف. وهذا الإنسان الوديع المفرط في التكيّف يخضع للجميع لا عن رحمة واعية صادقة، بل عن خوف — الخوف من الإقصاء، ومن ألّا يُحَبّ، ومن أن يُوصَم بأنّه «سيّئ»، ومن فقدان مكانته الاجتماعية. وبسبب حاجته العميقة إلى الاستحسان التي يحملها في داخله، يرتدي قناع «الإنسان الطيّب».
إنّ المسؤولية التي يظنّ هذا الإنسان أنّه يحملها ليست حسّ واجبٍ حقيقيًّا نابعًا من جوهر الروح. وكما يوضّح إرغون أريكدال في مؤلَّفه المنير Kendini Bilmek (معرفة الذات)، لا يمكن الحديث عن حرية إنسانٍ دون إرادة صادقة تشعّ من الوعي وتحكمها الفردية. فـ«النعم» التي ينطق بها عقلٌ يفتقر إلى الحرية والإرادة والشجاعة لقول «لا» — عقلٌ يلوذ بالصمت لمجرّد تجنّب الصراع — لا قيمة لها البتّة في التطوّر الروحي. وإذا كان الإنسان عاجزًا عن حماية حدوده وعن إظهار القوّة التي منحه الله إياها ليقول «أنا أيضًا موجود في هذه الدنيا»، فإنّ ما يسمّيه مسؤولية ليس سوى خضوعٍ ميكانيكيّ، ونوعٍ من العبودية.
من قلب الحياة: تخيّل ممثّلًا مسرحيًّا لا يؤدّي طوال حياته سوى النصوص التي كتبها الآخرون. لقد استبطن الدور المسنَد إليه — «الضحية المتألّمة الخاضعة أبدًا» — استبطانًا عميقًا حتى إنّه، بعد انتهاء المسرحية، يظلّ يؤدّيه في بيته وحياته الخاصة. لقد نسي هويّته الحقيقية، وما يحبّه وما لا يحبّه. واليقظة الروحية هي أن يخلع هذا القناع الزائف (الشخصية الزائفة) ويصير المخرج صاحب الإرادة الحرّة لنصّه الخاص.
حرية الاختيار الوجودية ومسؤولية المعرفة
ما مفتاح الخلاص من هذه الاختلالات الهائلة في الوعي البشري؟ الجواب مخبّأ في قوانين وجودنا الكونية. وإذ نتجوّل بين سطور Varlıksal İlkeler (المبادئ الوجودية) لإرغون أريكدال، نلتقي بقاعدة عظيمة: كلّ كائن يملك «حرية اختيار» لا متناهية. فالخالق واحدٌ أحد، وجميع الكائنات التي خلقها متساوية في المبادئ التي تحملها في جوهرها؛ وهذا «مبدأ المساواة» بالذات هو ما يمنح الكائنات حرية اختيار لا حدّ لها. وفي الكون لا يتقدّم أيّ كائن على درب التطوّر بإرادة اعتباطية لنظامٍ خارجيّ قسريّ، بل بإرادته الخاصة واختياره الخاص كلّيًّا.
غير أنّ الحرية لا تعني «انعدام القانون والفوضى» في الكون؛ فلهذه الحرية مكمّل بالغ الدقّة على الوجه الآخر من العملة. والمبدأ الكونيّ الذي لا يخطئ والذي يؤكّده أريكدال في المؤلَّف النادر نفسه هو: «الكائن مسؤول عمّا يعرفه.» فالكون ميدان هائل من الخدمة والواجب يشارك فيه كلّ كائن، متحمّلًا المسؤولية بقدر إدراكه، عن كلّ ما يعرفه.
كلّما ارتفع مستوى وعي الإنسان وإدراكه ومعرفته، نمت مسؤوليته الوجودية بالقدر نفسه. فالحرية هي استخدام إرادة نورانية لا تخلّ بانسجام الكلّ — إرادة تتجاوز الأهواء الأنانية النابعة من الأنا وتحرس حقوق الآخرين أيضًا. أمّا الأخطاء المرتكَبة عن علم، والاقتحام المتسلّط لفضاء الآخر، فيحاسَب الإنسان عليها أمام نفسه وأمام القوانين الإلهية وحدها. فالعارف لا يخطئ عمدًا؛ وإذا تحوّلت اختياراتنا إلى طغيان واعٍ، فإنّ قوانين الحتمية الكونية (السبب والنتيجة) تتركنا وحدنا مع حريتنا وتحكم علينا أن نحصد، بأشدّ صورة، محصول ما زرعناه.
نقطة التوازن: يقظة «الضمير الحقيقي»
هذا البندول غير السليم، المتأرجح بين الطاغية اللامسؤول والخادم المجرَّد من الحرية، لا يبلغ توازنه التامّ في داخل الإنسان إلّا حين تستيقظ قوّة واحدة: الضمير الحقيقي.
في منظومته التعليمية الضخمة İlâhi Nizam ve Kâinat (النظام الإلهي والكون)، يوضّح الدكتور بدري روحسلمان بجلاء، وهو يفحص بنية الضمير، أنّ هذه الآلية ثنائية ذات قطبين تُعِدّ الكائن للتطوّر. فعند القطب الأدنى من هذه الثنائية تقف «الأنانية» (حبّ الذات، أو الطغيان، أو الخنوع القائم على الخوف) التي تُبطئ التطوّر؛ وعند القطب الأعلى يقف «الواجب» (مراعاة الآخرين، الانسجام الكوني) الذي سيحمل الكائن إلى وعي أرقى. وطوال الحياة الأرضية يخوض الإنسان صراعًا لا يهدأ بين هذين القطبين ويحاول أن يجد توازنًا.
فإذا صار الإنسان أسيرًا للقطب الأناني من ضميره، تحوّل إلى «الطاغية الذي يدوس الحقوق» الذي يصفه جوجيلوغلو. وإذا خاف أن يستخدم إرادته الحرّة ولاذ بتضحية زائفة بالذات طلبًا لرضا الآخرين، غرق من جديد في المستويات الدنيا من آلية الضمير. لكن حين يبدأ الإنسان بسماع صوت الضمير الحقيقي، يُولد ذلك التوازن العظيم. فالإنسان الذي استيقظ ضميره الحقيقي لا يتصرّف بدافع مخاوف المجتمع أو شخصيته الزائفة، بل بدافع «حبّ الواجب» المتصاعد من أعماق روحه.
ومثل هذا الإنسان يضحّي بالطبع ويخدم زوجه وولده ومجتمعه؛ لكنّه يفعل ذلك لا وهو مسحوق، ولا وهو يمحو ذاته، ولا وهو ينتظر استحسانًا زائفًا — بل بحرية وفرح، لأنّ طبيعة الحبّ الكوني ذاتها هي «العطاء». (وهذه هي الحرية الحقيقية.) وبالقدر نفسه لا يسمح هذا الإنسان لأحد أن يدوس كرامته أو حدود وجوده. وعند الضرورة يُظهر القوّة على قول «لا» — دون أن يجرح أحدًا، لكن بموقف نبيل حازم. (وهذه هي المسؤولية الحقيقية.)
وعند هذه النقطة، تصوّر بهلوانَين ماهرَين. أحدهما يؤدّي كلّ حركة على الحبل بمفرده لكنّه لا يراعي توازن شريكه قط؛ فيسقطان في النهاية كلاهما (الحرية اللامسؤولة). والآخر، وقد استبدّ به الرعب من أن يسقط شريكه، يتجمّد مرتجفًا في مكانه ولا يقدر على التحرّك قيد أنملة (المسؤولية المجرّدة من الحرية المملوءة خوفًا). أمّا البهلوانان المثاليان فهما اللذان يعبران إلى الجهة الأخرى بأمان آخذَين في الحسبان الريح على الحبل، وقوّتهما الخاصة، ووزن الشريك (المسؤولية) — وهما في الوقت نفسه يرقصان عبر الحبل بشجاعة البجعة وفرحها (الحرية).
الخاتمة: الحرية والمسؤولية جناحا التطوّر
الحرية والمسؤولية جناحان سليمان يرفعاننا من أوهام العالم المادّي الغليظ وأنانيّته وسلوكياته الميكانيكية ويحملاننا إلى مستوى حقيقيّ نورانيّ من «الوعي». وحين يغيب أحد هذين الجناحين أو ينكسر، تعجز الروح عن الطيران؛ فلا تكون إلّا متقاذَفة على رياح الحياة، تتألّم في داخلها بلا انتهاء.
إنّ شفاء هذه الجروح النفسية التي أشار إليها جوجيلوغلو ببصيرة لا نظير لها لا يكون ممكنًا إلّا عبر فعل «معرفة الذات» — الفعل ذاته الذي تؤكّده معًا مؤلَّفات الدكتور بدري روحسلمان وإرغون أريكدال. علينا أن نُسقط قناع الطاغية المدلَّل في داخلنا، أو قناع تلك الشخصية الزائفة المهضومة التي تسعى أبدًا لإرضاء الجميع. وعند تلك النقطة المتوازنة التي لا تشوبها شائبة — حيث نواجه حقيقتنا، ونحمي حقّ كلّ إنسان كأنّه حقّنا، ونُكرّم في الوقت نفسه وجودنا الخاص — سيصير كلّ منّا مسافرًا حرًّا وخادمًا مسؤولًا في هذا العالم الفسيح.